عبد الكريم الخطيب

9

التفسير القرآنى للقرآن

وكلّ ما جاء في القرآن الكريم من أوصاف الجنة ونعيمها ، هو مما كان يتمنّاه المؤمنون في الدنيا ، وتقصر عنه أيديهم . . فإذا منّ اللّه عليهم بالجنّة ، كان من تمام هذه النعمة ، أن يجدوا كل ما فاتهم في الدنيا حاضرا بين أيديهم ، إلى جانب ما أعدّ اللّه لهم من نعيم ، لم يكن يخطر على قلب بشر . . وإذا كلّ نعيم هذه الدنيا الذي كانوا يتشهّونه ، لا يوازى مثقال ذرة من هذا النعيم الذي لم يروه من قبل ، ولم يتخيّلوه ! وكذلك الشأن في عذاب الآخرة ، فإن ما يساق منه إلى أهل النار ، هو مما كان يراه أهلها واقعا بالمؤمنين في الدنيا ، ومما كان يأخذ به الظالمون أولياء اللّه - هو شئ لا يذكر ، إلى جانب ما يلقون هم اليوم من عذاب فوق هذا العذاب . . فالسياط من النار ، والمقامع من الحديد ، والسلاسل والأغلال ، وغيرها مما تحدّث به القرآن من ألوان النكال لأهل النار ، هو مما كانوا يعذّبون به أهل الإيمان . . كما فعل المشركون بالسابقين الأولين من المؤمنين ، كبلال وآل ياسر وغيرهم . قوله تعالى : « وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالْغَمامِ وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنْزِيلًا الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمنِ وَكانَ يَوْماً عَلَى الْكافِرِينَ عَسِيراً » . تشقّق السماء بالغمام : أي يأخذ الغمام فيها طرقا ، فيتشقق بهذه الطرق أديمها ، وبتغير وجهها ، وتتلوّن صفحتها . . والمراد بالغمام هنا ، هو ما يشبه السّحاب ، الذي ينزل الملائكة على هيئته يوم القيامة ، فلا يراهم الناس يومئذ إلا في هذه الظلل من الغمام .